السيد محمد حسين الطهراني
93
معرفة المعاد
الأيّام المعدودة من الدنيا أي عواقب تنتظرنا ! ولقد كان عليه السلام يحذّر الناس في خطبه وجلساته سرّاً وعلانية أن : أيّها الناس ! إنّ هذا الدهر الطويل وساعاته ، وهذا الطلوع والغروب المتواليان المتعاقبان ليسا لكم إلّا لحظات عيش معدودة ، إن اغتنمتموها فنِعم ما فعلتم ، وإلّا لحقكم الخُسران المقيم ! ثم يكتب وصيّة في « الحاضِرَيْن » لولده الإمام الحسن عليه السلام حيث تتكشّف حقّاً عن عجائب الحِكم وغرائب النصائح والمواعظ ، بحيث عزّ أن يصدر لها من أعاظم الدهر نظير أو شبيه في نكاتها العميقة والدقيقة ، على امتداد التأريخ وتصرّم الأزمان والأعوام ، ولم يسجّل لها نظير في صفحات الدهر . موعظة الإمام أمير المؤمنين بعد إصابته يقول عليه السلام في موعظته بعد أن ضُرب : وَأنَا بِالأمْسِ صَاحِبُكُمْ ، وَأنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ ، غَفَرَ اللهُ لِي وَلَكُمْ . إنْ تَثْبُت الْوَطْأةُ في هَذِهِ الْمَزَلَّةِ [ فأشفى من جرحي هذا ] فَذَاكَ ، وَإنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ [ فأرحل عن هذه الدنيا ] فَإنَّمَا كُنَّا في أفْيَاءِ أغْصَانٍ وَمَهَبِّ رِيَاحٍ ، وَتَحْتَ ظِلِّ غَمَامٍ اضْمَحَلَّ في الْجَوِّ مُتَلَفَّقُهَا ، وَعَفَا في الأرْضِ مَخَطُّهَا . وَإنَّمَا كُنْتُ جَاراً لَكُمْ جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أيَّاماً ، وَسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلَاءَ ، سَاكِنَةً بَعْدَ حرَاكٍ ، وَصَامِتَةً بَعْدَ نُطْقٍ ؛ لِيَعِظَكُمْ هُدُوِّي ، وَخُفُوتُ إطْرَاقِي « 1 » وَسُكُونُ أطْرَافِي ، فَإنهُ أوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقَ الْبَلِيغِ ، وَالْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ . « 2 »
--> ( 1 ) - الإطراق : إرخاء العينين والنظر بهما إلى الأرض . ( 2 ) - « نهج البلاغة » الخطبة 147 ، ج 1 ، ص 268 و 269 ، طبعة محمّد عبده - مصر .